يفتح في علامة تبويب جديدة

متبقيات الأدوية البيطرية في الغذاء: مسؤولية المصنع والطبيب والمربي

غالباً ما ينتهي اهتمامنا بالدواء البيطري عندما يتماثل الحيوان للشفاء، لكن ثمة سؤالاً لا يقل أهمية عن نجاح العلاج: أين يذهب الدواء بعد إعطائه؟ وهل يمكن أن تبقى آثاره في الحليب أو اللحوم أو البيض الذي يصل إلى المستهلك؟

لا ترتبط الإجابة بالحالة الصحية للحيوان وحدها، بل بمصير الدواء داخل الجسم، والوقت الذي تحتاجه متبقياته للانخفاض إلى المستويات المسموح بها في المنتجات الحيوانية.

وهنا تبرز قضية متبقيات الأدوية البيطرية (Veterinary Drug Residues)، بوصفها حلقة مهمة بين الطب البيطري وسلامة الغذاء والصحة العامة. فالدواء الضروري لعلاج الحيوان قد يصبح مصدراً لمشكلة غذائية إذا استخدم بطريقة غير صحيحة أو لم تحترم فترة سحبه.

ولا تقتصر المسؤولية على الطبيب البيطري أو المربي، إذ تبدأ إدارة سلامة المتبقيات من تطوير المستحضر وتصنيعه، وتمتد إلى استخدامه ومراقبة المنتجات الغذائية قبل وصولها إلى المستهلك.

ما المقصود بمتبقيات الأدوية البيطرية؟

وفق تعريفات الدستور الغذائي الدولي (Codex Alimentarius)، تشمل المتبقيات الدوائية المادة الأصلية ونواتج استقلابها التي قد تبقى في الأجزاء المأكولة من الحيوان أو منتجاته، إضافة إلى الشوائب المرتبطة بالمستحضر.

وقد توجد هذه المتبقيات في اللحوم والكبد والكلى والحليب والبيض والأسماك والعسل، ولا تقتصر على المضادات الحيوية، بل تشمل مضادات الطفيليات والالتهاب وبعض المركبات الهرمونية وغيرها.

بعد إعطاء الدواء، يخضع لعمليات الامتصاص والتوزع والاستقلاب والإطراح، وقد يصل جزء منه إلى الأنسجة أو المنتجات الحيوانية. ومع مرور الوقت تتراجع تراكيزه وفق خصائصه الحركية الدوائية.

لكن وجود متبقيات قابلة للكشف لا يعني بالضرورة أن الغذاء غير آمن. فالحكم العلمي يعتمد على طبيعة المادة وتركيزها ومستوى التعرض الغذائي والأدلة السمية والحدود التنظيمية المعتمدة.

متى تصبح متبقيات الأدوية مشكلة تتعلق بسلامة الغذاء؟

تستطيع الأجهزة التحليلية الحديثة الكشف عن كميات ضئيلة جداً من الأدوية، إلا أن اكتشاف المادة لا يعني بالضرورة وجود خطر صحي غير مقبول. ولهذا وضعت الجهات العلمية الدولية معايير لتقييم التعرض وتحديد المستويات المقبولة من المتبقيات.

المدخول اليومي المقبول (ADI)

يمثل المدخول اليومي المقبول (Acceptable Daily Intake) تقديراً لكمية المادة التي يمكن للإنسان تناولها يومياً طوال حياته دون توقع مخاطر صحية تذكر، استناداً إلى الأدلة العلمية المتاحة.

وتحدده لجنة الخبراء المشتركة بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية (JECFA) اعتماداً على الدراسات السمية، مع مراعاة التأثيرات الميكروبيولوجية لبعض المضادات الحيوية عند الحاجة.

ولا يعني تجاوز هذه القيمة في يوم واحد بالضرورة حدوث تسمم؛ فهي مرجع لتقييم التعرض المزمن وليست حداً مباشراً لظهور المرض.

الجرعة المرجعية الحادة (ARfD)

بالنسبة إلى بعض المواد التي قد تسبب تأثيرات صحية بعد التعرض خلال فترة قصيرة، تُحدد جرعة مرجعية حادة (Acute Reference Dose) لتقييم مخاطر التعرض خلال وجبة واحدة أو يوم واحد. ولا تتطلب جميع الأدوية تحديد هذه القيمة.

الحد الأقصى المسموح للمتبقيات (MRL)

الحد الأقصى المسموح للمتبقيات (Maximum Residue Limit) هو أعلى تركيز للمتبقيات الدوائية تقبله أو توصي به الجهة التنظيمية في غذاء معين، وفق تقييم علمي للمخاطر وممارسات الاستخدام البيطري المعتمدة.

وتختلف قيم MRL بحسب المادة الفعالة والنوع الحيواني والنسيج أو المنتج الغذائي، فقد يكون الحد المسموح في العضلات مختلفاً عنه في الكبد أو الكلى أو الحليب.

والفرق الأساسي أن ADI يتعلق بكمية المادة التي قد يتناولها الإنسان، بينما يتعلق MRL بتركيزها في الغذاء.

أما تجاوز MRL فيعني عدم مطابقة العينة للمتطلبات المعمول بها، لكنه لا يثبت وحده وقوع ضرر صحي لدى المستهلك؛ فتقدير الخطر الفعلي يحتاج إلى دراسة مستوى التعرض وطبيعة المادة.

كيف تحدد الحدود المسموح بها للمتبقيات؟

لا توضع هذه الحدود بصورة اعتباطية، بل تستند إلى دراسات سمية وحركية دوائية وتقييمات للتعرض الغذائي.

وتبدأ العملية بتحديد التأثيرات السمية المحتملة للمادة ومستقلباتها، ثم دراسة المتبقيات التي تستمر في الأنسجة والمنتجات الحيوانية، وتقدير الكميات التي قد يتناولها الإنسان عبر الغذاء. وبالاستناد إلى هذه البيانات تُقترح الحدود القصوى المناسبة.

وقد أصدرت منظمة الأغذية والزراعة في سبتمبر 2026 تحديثاً لأداة JECFA Toolbox التي تشرح المنهجية العلمية المستخدمة في تقييم مخاطر متبقيات الأدوية البيطرية.

ومن المهم التمييز بين الأدوية المرخصة التي وضعت لها حدود للمتبقيات والمواد المحظورة أو غير المصرح باستخدامها في حيوانات إنتاج الغذاء، إذ لا تخضع جميع المواد للقواعد التنظيمية نفسها.

فترة السحب: متى يصبح الغذاء صالحاً للتسويق بعد العلاج؟

فترة السحب (Withdrawal Period) هي المدة التي يجب أن تنقضي بين آخر جرعة دوائية والسماح باستخدام المنتجات الحيوانية للاستهلاك البشري، بهدف ضمان امتثال المتبقيات للحدود المعتمدة عند الالتزام بشروط استخدام المستحضر.

فشفاء الحيوان لا يعني بالضرورة انتهاء فترة السحب، كما أن الفترة المحددة للحليب قد تختلف عن تلك المعتمدة للحوم.

كيف تحسب فترة السحب علمياً؟

تحدد من خلال دراسات استنفاد المتبقيات (Residue Depletion Studies)، التي تجرى على الحيوانات المستهدفة وفق نظام الجرعات المقترح.

يجمع الباحثون عينات من الأنسجة أو المنتجات الحيوانية في أوقات محددة بعد آخر جرعة، ثم يقيسون تراكيز المتبقيات بطرائق تحليلية معتمدة.

ويستخدم في هذه الدراسات ما يسمى «المتبقي المحدد للقياس» (Marker Residue)، وهو مركب يمثل مؤشراً يمكن ربط مستواه بالمتبقيات الكلية ذات الصلة، وقد يكون الدواء الأصلي أو أحد مستقلباته.

وتوضح إرشادات VICH GL48 ووكالة الأدوية الأوروبية (EMA) كيفية تصميم الدراسات وتحليل نتائجها إحصائياً، مع مراعاة اختلاف معدلات استنفاد المتبقيات بين الحيوانات، وليس متوسط التركيز وحده.

لماذا تختلف فترة السحب بين مستحضرين يحتويان على المادة نفسها؟

قد تختلف سرعة امتصاص الدواء وتوزعه وإطراحه باختلاف التركيبة الصيدلانية وطريق الإعطاء والجرعة ومدة العلاج. كما قد تستمر بعض المتبقيات في موضع الحقن حتى بعد انخفاض تركيز الدواء في البلازما.

لذلك لا يجوز افتراض أن مستحضرين يحتويان على المادة الفعالة نفسها يمتلكان بالضرورة فترة سحب متطابقة، ولا نقل الفترة المعتمدة للأبقار إلى الأغنام أو الماعز أو الإبل دون سند علمي وتنظيمي.

وتزداد المسألة تعقيداً عند الاستخدام خارج شروط الترخيص (Extra-label Use)، مثل زيادة الجرعة أو تغيير طريق الإعطاء أو استخدام الدواء في نوع حيواني غير مدرج في النشرة. ففي هذه الحالات قد لا تعود فترة السحب الأصلية صالحة للاعتماد المباشر، ويجب التقيد بالقواعد الوطنية والبيانات العلمية المناسبة.

متبقيات الأدوية في الحليب والبيض واللحوم

الحليب: خطأ واحد قد يؤثر في إنتاج مزرعة كاملة

يجمع الحليب بصورة يومية، ما يجعل الالتزام بفترات السحب ضرورياً، خصوصاً عند علاج التهاب الضرع بالمضادات الحيوية داخل الضرع أو عن طريق الحقن.

ومن الأخطاء الشائعة إعادة حليب الأبقار المعالجة إلى خزان التجميع قبل انتهاء فترة السحب، أو عدم توثيق آخر جرعة بدقة. كما تتطلب مستحضرات تجفيف الأبقار (Dry Cow Therapy) الانتباه إلى التعليمات الخاصة بالفترة السابقة للولادة وبداية استخدام الحليب بعدها.

وفي دراسة نشرها سولاييمان وزملاؤه (Sulayeman et al.) عام 2026 في مجلة Veterinary Medicine International، فحص الباحثون 324 عينة حليب خام من منطقة سيداما في إثيوبيا.

أظهرت النتائج إيجابية 29 عينة، أي نحو 9%، في الفحص الأولي باستخدام Delvotest SP. وأكد تحليل HPLC وجود الأوكسي تتراسيكلين في ثماني عينات والبنسلين G في 16 عينة، مع تجاوز بعض التراكيز الحدود المرجعية المستخدمة.

ووجد الباحثون ارتباطاً بين العلاج الحديث وعدم الالتزام بفترات السحب ووجود المتبقيات، كما سجلوا قصوراً في وعي بعض المربين بهذه المشكلة.

وتعكس هذه النتائج وضع العينة المدروسة فقط، ولا يجوز تعميمها على جميع مزارع المنطقة أو البلدان الأخرى.

البيض: ليس كل دواء للدواجن مناسباً للدجاج البياض

قد تنتقل بعض الأدوية ومستقلباتها إلى البيض أثناء تشكله، وتختلف مدة استمرارها باختلاف المادة الفعالة ونظام الجرعات.

ولهذا فإن ترخيص مستحضر لدجاج اللحم لا يعني جواز استخدامه تلقائياً في الدجاج البياض، فقد تكون المادة غير مصرح بها في الطيور المنتجة لبيض المائدة.

وفي دراسة نشرها فارينينا وزملاؤها (Varenina et al.) عام 2026 من المعهد البيطري الكرواتي، طور الباحثون طريقة LC-MS/MS للكشف عن 68 مضاداً حيوياً تنتمي إلى تسع مجموعات دوائية.

وعند تطبيق الطريقة على 200 عينة بيض جمعت بين عامي 2022 و2025، وجدت ثلاث عينات غير مطابقة للمتطلبات المعتمدة بسبب متبقيات الدوكسيسيكلين والإنروفلوكساسين.

وتؤكد الدراسة أهمية معرفة قيود استخدام الدواء، إلى جانب امتلاك وسائل تحليل قادرة على كشف المتبقيات وتحديدها بدقة.

اللحوم والكبد والكلى

تختلف تراكيز المتبقيات بين الأنسجة تبعاً لخصائص الدواء وتوزعه واستقلابه وإطراحه. ويكتسب الكبد والكلى أهمية خاصة في العديد من دراسات المتبقيات، لكنهما لا يحتويان بالضرورة على أعلى تركيز من كل مادة.

وقد تستمر بعض الأدوية الحقنية في الأنسجة المحيطة بموضع الإعطاء، وهو ما يفسر عدم كفاية تراكيز البلازما وحدها لتحديد فترة السحب.

لذلك فإن قرار إرسال الحيوان للذبح يجب أن يعتمد على سجل العلاج وفترة السحب المعتمدة، لا على اختفاء الأعراض أو عودة الشهية والنشاط.

ما المخاطر الصحية المحتملة على الإنسان؟

تختلف المخاطر بحسب نوع الدواء وتركيزه ومدة التعرض له. فبعض المواد قد تسبب تأثيرات سمية عند التعرض لمستويات غير مقبولة، بينما تثير مواد أخرى مخاوف تتعلق بالحساسية أو التأثير في الجراثيم المعوية.

لكن لا يصح افتراض أن اكتشاف تركيز ضئيل من مضاد حيوي في الغذاء يؤدي تلقائياً إلى أمراض الكبد أو الكلى أو السرطان؛ فلكل مادة ملف سمي مختلف، ويعتمد تقدير الخطر على مقدار التعرض الفعلي.

وترتبط القضية أيضاً بمقاومة مضادات الميكروبات (AMR)، إلا أنه ينبغي التفريق بين تعرض الإنسان للمتبقيات الكيميائية في الغذاء وبين انتقال الجراثيم المقاومة أو جينات مقاومتها عبر سلسلة الغذاء والبيئة.

فوجود متبقيات منخفضة التركيز لا يمثل وحده دليلاً على نشوء مقاومة جرثومية لدى المستهلك. ومن هنا تأتي أهمية نهج الصحة الواحدة (One Health)، الذي يربط الاستخدام الرشيد للمضادات بصحة الحيوان والإنسان والبيئة.

وللمتبقيات آثار اقتصادية أيضاً، إذ قد تؤثر بعض المضادات الحيوية الموجودة في الحليب على البكتيريا المستخدمة في صناعة الألبان، ما يؤدي إلى خسائر إنتاجية. كما قد تتسبب العينات غير المطابقة في رفض الشحنات الغذائية.

هل يقضي غلي الحليب أو طهي اللحوم على المتبقيات؟

ليس بالضرورة. فتأثير الحرارة يختلف بين الأدوية، فقد ينخفض تركيز بعض المواد أثناء الغلي أو الطهي، بينما يحتفظ بعضها الآخر بجزء مهم من تركيزه أو يتحول إلى نواتج تحلل مختلفة.

وفي مراجعة علمية نشرها الحسن وعبد الله (Alhassan & Abdullahi) عام 2026، ناقش الباحثان تأثير تصنيع الغذاء في المتبقيات الدوائية، وأوضحا أن التحولات التي تحدث أثناء المعالجة قد تجعل قياس المتبقيات وتقدير التعرض أكثر تعقيداً.

لذلك لا يمكن الاعتماد على الطهي أو التصنيع الغذائي لمعالجة مشكلة المتبقيات غير المطابقة، فالوقاية تبدأ من الاستخدام الصحيح للدواء، والالتزام بفترة السحب، ومراقبة المواد الخام قبل تصنيعها أو تسويقها.

كيف تكشف المختبرات عن متبقيات الأدوية؟

تستخدم المختبرات مجموعة من الاختبارات تختلف في سرعة إجرائها ودقتها والغرض منها.

تعد الاختبارات السريعة والميكروبيولوجية أدوات مفيدة للفحص الأولي، خصوصاً في مراكز تجميع الحليب، لكنها لا تكشف بالضرورة جميع الأدوية، كما أن النتيجة الإيجابية لا تثبت وحدها تجاوز الحدود المسموح بها.

وتستخدم اختبارات ELISA للكشف عن مركبات أو مجموعات دوائية معينة، مع ضرورة مراعاة احتمالات التفاعل المتبادل وحدود انتقائية الاختبار.

أما تقنية HPLC فتتيح فصل المركبات وتحليلها، بينما توفر تقنية LC-MS/MS قدرة عالية على تحديد المواد وقياس تراكيزها، وتستخدم على نطاق واسع في التحاليل التأكيدية متعددة المتبقيات.

وفي دراسة نشرها ليتي وفريتاس (Leite & Freitas) عام 2025 في مجلة International Dairy Journal، طوّر الباحثان طريقة للكشف عن 88 مضاداً حيوياً في الحليب باستخدام UHPLC-QTRAP-MS/MS.

وطبقت الطريقة على 45 عينة تجارية شملت الحليب البقري ومشروبات نباتية، وكشفت عن بعض الماكروليدات والسلفوناميدات بمستويات منخفضة ضمن الحدود التنظيمية ذات الصلة.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين حد الكشف (LOD)، أي أدنى مستوى يمكن اكتشاف المادة عنده وفق خصائص الاختبار، وحد التقدير الكمي (LOQ)، أي أدنى تركيز يمكن قياسه بدرجة مقبولة من الدقة والصحة التحليلية.

كما أن الحكم بعدم المطابقة يتطلب الرجوع إلى الحدود القانونية ومعايير القرار والتحقق من نتائج التحليل، وفق المتطلبات التنظيمية المناسبة، ومنها اللائحة الأوروبية (EU) 2021/808.

مسؤولية شركات الأدوية البيطرية

تبدأ مسؤولية الشركة المصنعة قبل وصول المستحضر إلى السوق. فهي مطالبة بتقديم بيانات علمية موثوقة عن جودة المنتج وسلامته وفعاليته، ودراسات المتبقيات عند الحاجة وفق متطلبات الجهة التنظيمية.

ويُفترض أن تستند فترات السحب إلى دراسات مناسبة للمادة الفعالة والتركيبة وطريق الإعطاء والأنواع المستهدفة، لا إلى نقلها آلياً من مستحضر آخر.

كذلك يجب المحافظة على اتساق جودة دفعات الإنتاج وثبات المستحضر، لأن التغييرات المهمة في التركيبة أو خصائص التحرر والامتصاص قد تؤثر في سلوك الدواء ومتطلباته التنظيمية.

وتؤدي النشرة الدوائية دوراً أساسياً في الوقاية، لذلك ينبغي أن تتضمن تعليمات واضحة عن الجرعات وطرق الإعطاء والأنواع المستهدفة وفترات السحب الخاصة باللحوم والحليب والبيض عند الاقتضاء.

ولا يقل عن ذلك أهمية تدريب المندوبين العلميين على نقل المعلومات الصحيحة، وتطوير آليات لاستقبال الشكاوى الحقلية المتعلقة بالمتبقيات والتحقيق فيها.

مسؤولية الطبيب البيطري

لا تنتهي مسؤولية الطبيب البيطري بتحسن الحيوان، إذ يجب أن يوازن بين نجاح العلاج وسلامة المنتجات الغذائية التي قد تصل لاحقاً إلى المستهلك.

ويبدأ ذلك باختيار مستحضر مناسب للمرض والنوع الحيواني والحالة الإنتاجية، ثم التأكد من الجرعة وطريق الإعطاء وفترة السحب المعتمدة.

ومن الضروري توضيح فترة السحب للمربي بصورة عملية، بما يشمل وقت بدء حسابها وتاريخ السماح باستخدام الحليب أو إرسال الحيوان للذبح.

وفي حالات العلاج الجماعي عبر مياه الشرب أو الأعلاف، يجب توثيق وقت آخر تعرض فعلي للدواء، لا الاكتفاء بتاريخ بدء المعالجة.

كما يجب الانتباه إلى أن استخدام أكثر من دواء قد يعني وجود فترات سحب مختلفة، وأن الاستخدام خارج شروط الترخيص يستلزم احتياطات إضافية وفق الأدلة العلمية والتشريعات المعمول بها.

مسؤولية المربي والمنشآت الغذائية

قد يكون المستحضر مطابقاً للمواصفات وتكون وصفة الطبيب صحيحة، ومع ذلك تصل متبقيات غير مقبولة إلى الغذاء نتيجة خطأ بسيط داخل المزرعة.

ولهذا يحتاج المربي إلى سجل واضح يحدد الحيوانات المعالجة، واسم الدواء، وتاريخ ووقت آخر جرعة، وفترة السحب وتاريخ انتهائها.

ويجب فصل حليب الحيوانات التي لا تزال ضمن فترة السحب عن الحليب المخصص للتسويق، وعدم إرسال الحيوانات للذبح قبل انتهاء الفترات المعتمدة.

وفي مزارع الدواجن، تبرز أهمية توثيق المعالجات الجماعية والانتباه إلى احتمال انتقال بقايا الأدوية بين أنظمة تقديم المياه والأعلاف.

أما مراكز تجميع الحليب والمسالخ والمنشآت الغذائية، فتتحمل مسؤولية تطبيق إجراءات التتبع والرقابة المناسبة، في حين ينبغي أن تمنع مصانع الأعلاف الدوائية التلوث المتبادل بين الأعلاف المحتوية على أدوية والأعلاف غير الدوائية.

وتكتمل هذه الجهود ببرامج تفتيش ورقابة مخبرية فعالة تشرف عليها الجهات المختصة.

ما واقع مراقبة متبقيات الأدوية البيطرية في سوريا؟

تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في سوريا مع وجود قطاع للإنتاج الحيواني وصناعة الأدوية البيطرية، لكن تقييم مستويات المتبقيات في السوق المحلي يحتاج إلى بيانات منشورة وممثلة لمختلف المنتجات ومناطق الإنتاج.

وفي أكتوبر 2026، نشرت وكالة الأنباء السورية سانا تقريراً عن مختبر متبقيات العقاقير البيطرية ومحفزات النمو التابع لهيئة الطاقة الذرية السورية.

ووفق التقرير، تأسس المختبر عام 2017 بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويجري فحوصاً لعينات من اللحوم والحليب والأسماك والكبد والكلى وغيرها، باستخدام تقنيات منها HPLC وELISA والمقايسة المناعية الإشعاعية (RIA).

ويشكل وجود مثل هذه المختبرات خطوة مهمة، لكنه لا يكفي للحكم على مستوى سلامة المنتجات الحيوانية في البلاد دون برامج رصد منظمة ونتائج منشورة يمكن تحليلها علمياً.

ومن الأولويات المفيدة للقطاع السوري تعزيز التعاون بين الجهات الرقابية وكليات الطب البيطري والصيدلة وشركات الأدوية والمنتجين، لتطوير دراسات المتبقيات والتوعية بفترات السحب وتحسين تتبع المعالجات.

ويجب الرجوع إلى التشريعات السورية النافذة عند تحديد المتطلبات القانونية، وعدم افتراض أن جميع التوصيات الدولية أو المعايير الأوروبية مطبقة محلياً بصورة تلقائية.

الخلاصة

إن استخدام الأدوية البيطرية ضروري لحماية صحة الحيوان، لكنه يرتبط بمسؤولية لا تنتهي عند نجاح العلاج. فبعض الأدوية قد تترك متبقيات في المنتجات الحيوانية، وتحتاج سلامة هذه المنتجات إلى التزام دقيق بشروط الاستخدام وفترات السحب والحدود التنظيمية المعتمدة.

تبدأ المسؤولية من الشركة المصنعة التي توفر مستحضراً جيداً وبيانات موثوقة عن سلامته وفترة سحبه، ثم الطبيب البيطري الذي يختار العلاج ويحدد تعليماته، وصولاً إلى المربي الذي يطبق هذه التعليمات ويمنع تسويق المنتجات قبل استيفاء شروط السلامة.

وتدعم هذه المنظومة مختبرات مؤهلة وبرامج رقابية قادرة على اكتشاف حالات عدم المطابقة والتحقيق في أسبابها.

فالهدف ضمان أن يؤدي الدواء وظيفته في حماية صحة الحيوان دون أن تتحول طريقة استخدامه إلى مصدر خطر غير مقبول على صحة الإنسان.

المراجع العلمية

    1. Codex Alimentarius Commission. Glossary of Terms and Definitions: Residues of Veterinary Drugs in Foods. FAO/WHO. المصدر الرسمي.
    2. Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO). Updated JECFA Toolbox for Veterinary Drug Residue Risk Assessment. September 2026. المصدر الرسمي.
    3. World Health Organization (WHO). Guidance Document for the Establishment of Acute Reference Dose (ARfD) for Veterinary Drug Residues in Food. Joint FAO/WHO Expert Committee on Food Additives. 2017. الوثيقة الرسمية.
    4. VICH. GL48: Marker-Residue-Depletion Studies to Establish Product Withdrawal Periods. الإرشادات الرسمية.
    5. European Medicines Agency (EMA). Guideline on Determination of Withdrawal Periods for Edible Tissue. Revision 2. Effective 2022. الإرشادات الرسمية.
    6. European Medicines Agency (EMA). Guideline on Determination of Withdrawal Periods for Milk. Revision 1. Effective 2022. الإرشادات الرسمية.
    7. World Organisation for Animal Health (WOAH). Terrestrial Animal Health Code. Chapter 6.10: Responsible and Prudent Use of Antimicrobial Agents in Veterinary Medicine. الفصل الرسمي.
    8. European Commission. Residues of Veterinary Medicinal Products: EU Monitoring and Laboratory Analysis Framework, including Regulation (EU) 2021/808. المصدر الرسمي.
    9. European Food Safety Authority (EFSA), Salvatore S, Vericat Ferrer M. Report for 2024 on the Results from the Monitoring of Residues of Veterinary Medicinal Products in Live Animals and Animal Products. EFSA Supporting Publications. 2026;23(2):EN-9913. DOI: 10.2903/sp.efsa.2026.EN-9913.
    10. Sulayeman M, Teferi N, Bacha B, Daba M. Detection of Antibiotic Residues in Milk and Public Awareness Level Assessment in Selected Districts of the Sidama Region, Ethiopia. Veterinary Medicine International. 2026;Article 1579502. DOI: 10.1155/vmi/1579502.
    11. Varenina I, Bilandžić N, Kaurinović J, et al. Validation of an LC-MS/MS Multi-Residue Method for Nine Antibiotic Classes in Eggs According to EU Regulation 2021/808 and Assessment of Their Occurrence on Croatian Poultry Farms. Food Additives & Contaminants: Part A. 2026;43(3):348–360. DOI: 10.1080/19440049.2026.2623137.
    12. Leite M, Freitas A. Antibiotics in Milk: Validation of Analytical Methodologies for Ensuring Food Safety. International Dairy Journal. 2025;169:106308. DOI: 10.1016/j.idairyj.2025.106308.
    13. Alhassan MY, Abdullahi SA. Veterinary Drug Residues in Animal-Derived Foods: Linking Pharmacokinetics, Processing Transformations, and Detection to Global Food Safety Governance. Food Safety and Risk. 2026;13:22. DOI: 10.1186/s40550-026-00151-3.
    14. Syrian Arab News Agency (SANA). مختبر متبقيات العقاقير البيطرية في هيئة الطاقة الذرية: حماية الغذاء بالتحليل العلمي. 8 October 2026. التقرير الأصلي.

اترك أول تعليق

تسجيل الدخول

أو

إعادة تعيين كلمة المرور..
لتتمكن من تقديم طلب التوظيف يجب تسجيل الدخول إلى حسابك، أو تسجيل عضو جديد..

إعادة تعيين كلمة المرور..