يفتح في علامة تبويب جديدة

مضادات الالتهاب غير الستيرويدية والأذية الكلوية

في الممارسة البيطرية، تستخدم مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (Non-Steroidal Anti-Inflammatory Drugs – NSAIDs) على نطاق واسع للسيطرة على الألم والالتهاب والحمى. ومن أبرزها الفلونيكسين ميغلومين (Flunixin Meglumine)، والكيتوبروفين (Ketoprofen)، والميلوكسيكام (Meloxicam).

ورغم أهميتها العلاجية، فإن استخدامها في الحيوانات المصابة بالتجفاف الشديد أو نقص حجم الدم قد يزيد خطر حدوث أذية كلوية حادة (Acute Kidney Injury – AKI)، حتى عند الالتزام بالجرعات العلاجية الموصى بها.

لفهم هذه الخطورة، لا بد من معرفة كيفية عمل مضادات الالتهاب، والدور الذي تؤديه البروستاغلاندينات في المحافظة على التروية الدموية الكلوية.

آلية عمل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية

يبدأ التأثير الدوائي لهذه المجموعة من مسار استقلاب حمض الأراكيدونيك (Arachidonic Acid)، وهو حمض دهني يتحرر من الفوسفوليبيدات المكونة للأغشية الخلوية بفعل إنزيم Phospholipase A₂.

يدخل حمض الأراكيدونيك بعد ذلك في مسار إنزيمات الأكسدة الحلقية (Cyclooxygenase – COX)، التي تضم شكلين رئيسيين هما COX-1 وCOX-2.

تحفز هذه الإنزيمات تحويل حمض الأراكيدونيك إلى المركب الوسيط PGG₂، ثم إلى PGH₂، الذي تُشتق منه مجموعة من البروستانويدات (Prostanoids)، ومنها البروستاغلاندينات والبروستاسيكلين والثرومبوكسانات.

تعمل معظم مضادات الالتهاب غير الستيرويدية على تثبيط النشاط الإنزيمي لـ COX، مما يحد من تكوين المركبات الوسيطة اللازمة لتصنيع البروستاغلاندينات.

وبالتالي، فإن هذه الأدوية لا تعمل على تدمير البروستاغلاندينات الموجودة، وإنما تقلل تصنيعها من الأساس.

تساهم البروستاغلاندينات، وخاصة PGE₂، في تحسيس النهايات العصبية للألم وتعزيز الاستجابة الالتهابية. لذلك يؤدي انخفاض إنتاجها إلى التأثيرات المسكنة والمضادة للالتهاب والخافضة للحرارة.

لكن تأثير البروستاغلاندينات لا يقتصر على الالتهاب، فهي تؤدي وظائف فسيولوجية مهمة في أعضاء عديدة، من بينها الكلية.

دور البروستاغلاندينات في تنظيم التروية الكلوية

تتمتع الكلية بقدرة على التنظيم الذاتي للتروية الدموية (Renal Autoregulation)، تسمح لها بالمحافظة على الجريان الدموي الكلوي ومعدل الرشح الكبيبي (Glomerular Filtration Rate – GFR) ضمن حدود معينة، رغم التغيرات في الضغط الشرياني.

وتشارك في هذه العملية عدة آليات، منها الاستجابة العضلية للأوعية الدموية والتغذية الراجعة الأنبوبية الكبيبية.

في الظروف الطبيعية، قد يكون اعتماد الكلية على التأثير الموسع للأوعية الذي تحدثه البروستاغلاندينات محدوداً نسبياً. لكن الوضع يتغير عندما ينخفض حجم الدم الفعال أو تتراجع التروية الكلوية.

فعند حدوث نقص حجم الدم (Hypovolemia)، كما في حالات الإسهال الشديد أو النزيف أو الصدمة، تنشط منظومة الرينين–أنجيوتنسين–ألدوستيرون (RAAS) والجهاز العصبي الودي، مما يؤدي إلى زيادة التأثيرات المقبضة للأوعية الدموية.

في هذه الظروف، تؤدي البروستاغلاندينات الكلوية، وخاصة PGE₂ والبروستاسيكلين PGI₂، دوراً تعويضياً مهماً؛ إذ تساعد على معاكسة التضيق الوعائي والمحافظة على الجريان الدموي، ولا سيما من خلال تأثيرها في الشُرين الوارد إلى الكبيبة (Afferent Arteriole).

وتساهم هذه الاستجابة في الحد من انخفاض معدل الرشح الكبيبي عند تراجع التروية.

كما تشارك البروستاغلاندينات الكلوية في تنظيم توازن الصوديوم والماء وإفراز الرينين. ولا يقتصر إنتاجها على COX-1، إذ يساهم COX-2 أيضاً في الوظائف التنظيمية الطبيعية للكلية، وهو ما يفسر استمرار احتمال التأثيرات الكلوية الضارة عند تثبيط هذا الإنزيم.

كيف تسبب مضادات الالتهاب الأذية الكلوية؟

تظهر المشكلة عندما تُثبَّط البروستاغلاندينات في وقت تعتمد فيه الكلية على تأثيرها الوقائي للمحافظة على التروية.

لنفترض وجود عجل يعاني من إسهال شديد ترافق مع فقدان السوائل وانخفاض حجم الدم الدوراني الفعال أنظر مقال إسهالات العجول.

في هذه الحالة، تكون الآليات المقبضة للأوعية قد تنشطت لتعويض انخفاض الضغط والحفاظ على تروية الأعضاء الحيوية، بينما تعمل البروستاغلاندينات الكلوية على الحد من التضيق الوعائي المفرط.

عند إعطاء أحد مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، يُثبَّط نشاط COX، وينخفض تصنيع PGE₂ وPGI₂، فتضعف قدرة الكلية على معاكسة التأثيرات الوعائية المقبضة.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التضيق النسبي للشُرين الوارد، وانخفاض الجريان الدموي الكلوي، وتراجع معدل الرشح الكبيبي.

ويمكن تلخيص التسلسل المرضي كما يلي:

نقص حجم الدم ← انخفاض التروية الكلوية وتنشيط الآليات المقبضة للأوعية ← تثبيط COX بواسطة NSAIDs ← انخفاض تصنيع PGE₂ وPGI₂ ← تراجع التوسع الوعائي التعويضي ← انخفاض الجريان الدموي الكلوي وGFR.

سم علمي يوضح تأثير مضادات الالتهاب غير الستيرويدية على التروية الكلوية وتضيق الشُرين الوارد إلى الكبيبة.

من الانخفاض الوظيفي إلى الأذية الكلوية

من المهم التمييز بين انخفاض معدل الرشح الكبيبي بسبب نقص التروية وبين حدوث أذية بنيوية في النسيج الكلوي.

ففي المرحلة الأولى، قد تظهر آزوتيميا قبل كلوية (Prerenal Azotemia) نتيجة انخفاض التروية، دون وجود تلف نسيجي ثابت. ويمكن أن تتحسن الوظيفة الكلوية عند استعادة حجم الدم والتروية بصورة مناسبة.

أما إذا كان نقص التروية شديداً أو استمر فترة طويلة، فقد يؤدي نقص الأكسجة إلى أذية إقفارية في الأنابيب الكلوية (Ischemic Tubular Injury)، وقد تتطور الحالة إلى أذية كلوية حادة.

وقد وصفت أيضاً آفات مثل نخر الحليمات الكلوية (Renal Papillary Necrosis) المرتبطة بمضادات الالتهاب، ولا سيما في الخيول. لكن لا يصح افتراض حدوث النمط النسيجي نفسه أو بالوتيرة ذاتها في جميع الأنواع الحيوانية.

متى تزداد احتمالية السمية الكلوية؟

ترتفع الخطورة بصورة خاصة عندما يكون الحيوان مصاباً بتجفاف شديد مصحوب بنقص حجم الدم، أو صدمة دورانية، أو انخفاض مستمر في الضغط الشرياني.

كذلك تزداد المخاطر عند وجود مرض كلوي سابق، أو عند الجمع بين مضادات الالتهاب وأدوية أخرى محتملة السمية الكلوية، مثل بعض المضادات الحيوية من مجموعة الأمينوغليكوزيدات (Aminoglycosides).

وقد يؤدي تجاوز الجرعات أو تكرار العلاج لفترات أطول من الموصى بها إلى زيادة احتمالية التأثيرات الضارة.

وهذه التحذيرات ليست نظرية فحسب، إذ تنص النشرة الدوائية الأمريكية لمستحضر KETOFEN المحتوي على الكيتوبروفين صراحةً على تجنب استخدامه في الأبقار المصابة بالتجفاف أو بأمراض كلوية معروفة.

كما تحذر النشرة الدوائية لمستحضر Metacam المحتوي على الميلوكسيكام من استخدامه في الحيوانات المصابة بتجفاف شديد جداً، أو نقص حجم دم، أو انخفاض ضغط يستدعي الإماهة بالسوائل عن طريق الحقن، بسبب خطر السمية الكلوية.

ويؤكد ذلك أن الحالة الفيزيولوجية للحيوان عامل أساسي في تقييم سلامة العلاج، وليس نوع المستحضر أو جرعته وحدهما.

الاعتبارات السريرية قبل إعطاء مضادات الالتهاب

لا يعني خطر السمية الكلوية ضرورة الامتناع عن إعطاء مضادات الالتهاب لكل حيوان مصاب بالإسهال أو فقدان السوائل.

فهذه الأدوية قد تكون مفيدة ضمن المعالجة الداعمة لبعض الحالات، لكن استخدامها يتطلب تقييم درجة التجفاف، والحالة الدورانية، واحتمال وجود قصور في التروية الكلوية.

ويفضل أن يشمل التقييم السريري حالة الوعي، والنبض، والأغشية المخاطية، وزمن إعادة الامتلاء الشعيري، وحرارة الأطراف، وإنتاج البول، إلى جانب التاريخ المرضي والأدوية المستخدمة.

وعند الاشتباه باضطراب الوظيفة الكلوية، يمكن الاستعانة بقياس الكرياتينين (Creatinine)، واليوريا (Urea/BUN)، والشوارد، وتحليل البول عند الإمكان.

ومن الضروري الانتباه إلى أن الكرياتينين قد يبقى ضمن الحدود المرجعية في المراحل المبكرة من الأذية الكلوية، لذلك تكون متابعة تغيره عبر قياسات متسلسلة أكثر فائدة من الاعتماد على نتيجة منفردة.

في الحيوانات المصابة بنقص تروية واضح، تكون الأولوية لاستعادة حجم الدم الدوراني وتصحيح اضطرابات السوائل والشوارد، باستخدام المعالجة الوريدية عندما تستدعي الحالة ذلك، مع إعادة تقييم الاستجابة وتجنب فرط إعطاء السوائل.

وبعد استقرار الحالة، يعاد تقدير الحاجة إلى مضادات الالتهاب وفق الفائدة المتوقعة والمخاطر الموجودة. أما عند الاشتباه بأذية كلوية حادة أو تأكيدها، فينبغي تجنب الأدوية المحتملة السمية الكلوية واختيار بدائل مناسبة للسيطرة على الألم حسب الحالة والنوع الحيواني.

كما ينبغي الالتزام بتعليمات المستحضر المسجل للنوع الحيواني المعني، وتجنب الاستخدام المتزامن غير المبرر لأكثر من مضاد التهاب غير ستيرويدي أو مشاركته مع الكورتيكوستيرويدات.

الخلاصة

تفسر إحدى أهم آليات السمية الكلوية لمضادات الالتهاب غير الستيرويدية بقدرتها على تثبيط إنزيمات COX، وبالتالي خفض تصنيع البروستاغلاندينات الضرورية للمحافظة على التروية الكلوية في ظروف نقص حجم الدم.

وفي حين يكون تأثير هذا التثبيط على الجريان الدموي الكلوي محدوداً نسبياً عند بعض الحيوانات السليمة المستقرة دورانياً، فإنه قد يصبح مؤثراً بصورة كبيرة عندما تكون الكلية معتمدة على الآليات التعويضية لمواجهة انخفاض التروية.

لذلك، فإن تقييم حالة الإماهة والتروية الدموية قبل وصف مضادات الالتهاب لا يقل أهمية عن اختيار الدواء والجرعة المناسبة.

المراجع العلمية

  1. Edwards, S. H. (2024). Nonsteroidal Anti-inflammatory Drugs in Animals. Merck Veterinary Manual. المصدر.
  2. van Galen et al. (2024). ECEIM consensus statement on equine kidney disease. Journal of Veterinary Internal Medicine. https://doi.org/10.1111/jvim.17101.
  3. Segev et al. (2024). International Renal Interest Society best practice consensus guidelines for the diagnosis and management of acute kidney injury in cats and dogs. The Veterinary Journal. https://doi.org/10.1016/j.tvjl.2024.106068.
  4. Zoetis. KETOFEN (Ketoprofen): Veterinary Prescribing Information. DailyMed/FDA. المصدر.
  5. Boehringer Ingelheim. Metacam 20 mg/ml: Contraindications and Special Precautions. NOAH Compendium. المصدر.
  6. Constable, P. D. (2009). Treatment of Calf Diarrhea: Antimicrobial and Ancillary Treatments. Veterinary Clinics of North America: Food Animal Practice, 25(1), 101–120. https://doi.org/10.1016/j.cvfa.2008.10.012.

اترك أول تعليق

تسجيل الدخول

أو

إعادة تعيين كلمة المرور..
لتتمكن من تقديم طلب التوظيف يجب تسجيل الدخول إلى حسابك، أو تسجيل عضو جديد..

إعادة تعيين كلمة المرور..